اتحاد غرف التجارة السورية

الحلقة المفرغة للفقر _ حديث الأربعاء الاقتصادي 132

450

د. عامر خربوطلي

مدير غرفة تجارة دمشق

تمر شرائح الدخل المحدود في سورية بأسوأ تراجع للدخل الحقيقي في تاريخها الحديث نتيجة تراجع القيمة الشرائية للعملة وعدم مواكبة الأجور مع الارتفاعات المستمرة للأسعار، وهي من التداعيات القاسية التي مرّت بها سورية ، وأصبح مستوى (الفقر) في سلم درجات خطيرة وتضاءلت الطبقة الوسطى بشكل واضح ودخلت سورية رسمياً فيما يُعرف اقتصادياً (الحلقة المفرغة للفقر) أو (الحلقة الخبيثة للفقر) فما هي هذه الحلقة وهل من وسيلة لإحداث اختراق هذه الحلقة والخروج منها نحو أفق واسع من تحسين المعيشة في الأمد القريب.
الحلقة المفرغة في تعريفها المبسط وبغض النظر عن مكان استعمالها هي عبارة عن مجموعة من الأسباب والتأثيرات التي تتسلسل مشكلة حلقة يتدهور فيها الحال مع نتائج كل سبب وتأثيراته على المجموع حيث تتوالى الآثار السلبية لتزيد الوضع سوءاً وبالعكس تماماً تعتبر هذه الحلقات إيجابية عندما يكون هناك مجموعة من الأسباب والآثار الإيجابية مجتمعة ومتتالية وراء أي تحسن في أية حالة عامة أو خاصة وتسمية حينها (بالحلقة الحميدة أو النجيبة).
تنشأ وتكون هذه الحلقات على شكلين: إما على شكل تطويري عندما يزيد تأثير السبب في تدهور الوضع وإما بشكل ظرفي عندما يكون السبب وحده وبشكل مباشر وتام نتيجة للتأثير، أبسط شكل لهذه الحالة هو مفارقة (البيضة والدجاجة) كما يمثلها حال الطالب المتخرج جديداً من جامعته والذي يبحث عن أول عمل في حين يطلب صاحب العمل دائماً خبرات عملية سابقة للتوظيف.
يُستعمل عادةً هذا المصطلح في مجال الاقتصاد الجزئي والكلي ومثال بسيط عن الحلقة المفرغة في حالة التضخم الاقتصادي: زيادة أجور الموظفين تؤدي إلى زيادة في كلفة إنتاج الشركات التي توصل إلى زيادة على الأسعار وبالتالي تؤدي إلى طلبات جديدة لزيادة الأجور لأنه لم يتغير أي شيء على القدرة الشرائية للموظفين (ارتفعت الأجور وارتفعت معها أسعار المنتجات).
أما الفقر فهو الحالة أو الوضع الذي يحتاج فيه الفرد أو المجتمع إلى الموارد المالية والأسس الضرورية للتمتع بأدنى مستوى من الحياة والرفاهية الذي يعتبر مقبولاً في المجتمع الذي يعيش فيه، اما المعيار الدولي للفقر المدقع فهو حصول الفرد على أقل من دولار واحد في اليوم، وهو أيضاً عندما يفشل دخل الأسرة في تلبية الحاجات الأساسية لأفراده ويقاس الفقر عادةً بناءً على الأسرة التي تعيله وليس الفرد.
يُعرف الفقر النسبي بأنه الأوضاع الاقتصادية بالنسبة لأعضاء المجتمع الآخرين، أما الفقر المطلق فيُقاس بناءً على كمية الأموال اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والملبس والمأوى حيث أن مفهوم الفقر المطلق لا يتعلق بمسائل نوعية وجودة الحياة الأوسع نطاقاً أو مع المستوى العام لعدم المساواة في المجتمع وبالتالي فإن المفهوم لا يعترف بأن الأفراد لديهم احتياجات اجتماعية وثقافية هامة تختلف من فرد لآخر.
للفقر آثار خطيرة، فعلى سبيل المثال الأطفال الذين ينشئون في بيئة فقيرة يعانون من مشاكل صحية بشكل مستمر ومتكرر أكثر من الأطفال الذين ينشئون في ظل ظروف مالية أفضل فالعديد من الأطفال الرضع المولودين في أسر فقيرة لديهم وزن منخفض عند الولادة وهذا يرتبط بالعديد من المشاكل الجسدية والإعاقات العقلية التي يمكن الوقاية منها كما يمكن أن يكونوا أكثر عرضةً للموت قبل إتمامهم عامهم الأول كما أن الأطفال الذين ينشئون في بيئة فقيرة يميلون إلى التغيب عن المدرسة في كثير من الأحيان بسبب المرض ولديهم أيضاً نسبة أعلى بكثير من الإصابات من الأطفال الآخرين فقد يكون لديهم ضعف في الرؤية والسمح وفقر الدم بسبب نقص الحديد ومستويات عالية من الرصاص في الدم والتي يمكن أن تُضعف وظيفة الدماغ.
ظهرت نظرية الحلقة المفرغة في علم الاقتصاد لتفسير أسباب بقاء بلدان العالم الثالث في حالة تخلف مستمر وتأخذ هذه النظرية بمبدأ السببية الدائرية والذي يعني أن هناك مجموعة من العوامل أو القوى أو المؤثرات التي تتفاعل مع بعضها بطريقة دائرية من شأنها إبقاء دول العالم الثالث في حالة تخلف مستمر لا يمكن الخروج عنها ومن ثم أطلق عليها نظرية الحلقة المفرغة أو الدائرة السلبية لأنها تنتهي إلى حيث بدأت دون نتيجة.
فالحلقة المفرغة للفقر لها عدة جوانب وعوامل فمن جانب هناك ضعف الحافز على الاستثمار وبالتالي نقص رؤوس الأموال وضعف الإنتاجية وانخفاض مستوى الدخل ومن ثم ضعف القوة الشرائية للمستهلكين.
ومن جانب آخر هناك ضعف المقدرة على الادخار ونقص رؤوس الأموال وهما يؤديان أيضاً إلى ضعف الإنتاجية وانخفاض مستوى الدخل.
باختصار شديد لا يمكن اختراق الحلقة إلا بزيادة الدخل الفردي أولاً بصورة حقيقية ومن ثم ارتفاع نسبة الادخار من الدخل على حساب الاستهلاك من جهة ثانية ومن ثم تحول هذه الادخارات إلى استثمارات حقيقية على المستوى الإنتاجي.
إن زيادة الكفاءة الإنتاجية لوحدة العمل الواحدة هي زيادة في الدخل، وأن تخفيض الهدر والترهل هو تحسين للدخل وإن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة يعتبر زيادة في الدخل وأخيراً كبح التضخم هو زيادة في الدخل وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية هي زيادة أيضاً في الدخل المتاح ومحاربة للفقر فهل نبدأ بهذا الاختراق ….

دمشق في 7/7/2021.العيادة الاقتصادية السورية